المقريزي
300
إمتاع الأسماع
برؤيته تعالى في الدنيا بالأبصار ، وعن الإمام مالك بن أنس قال : لم ير في الدنيا لأنه باق ، ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ، رزقوا أبصارا باقية ، رأوا الباقي بالباقي . قال القاضي عياض : وهذا الكلام حسن مليح ، وليس فيه دليل على الاستحالة ، إلا من حيث ضعف القوة ، فإذا قوى الله تعالى من يشاء من عباده ، وأقدره على القيام بأعباء الرؤية ، لم يمتنع في حقه . وقال القاسم أبو عاصم ، محمد بن أحمد العبادي ، في قول ابن عباس وغيره ، رآه بقلبه : وعلى هذا رأى ربه رؤية صحيحة ، وهي أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده ، وخلق لفؤاده بصرا حتى رأى ربه رؤية صحيحة ، كما ترى العين . وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد : ومعنى الآية - يعني قوله : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) - أن الفؤاد رأى شيئا فصدق فيه ما رأى ، أي ما كذب الفؤاد مرئيه ، وقرأ أبو عامر : ( ما كذب ) بالتشديد ، قال المبرد : معناه أنه رأى شيئا فقبله . قال الواحدي : وهذا الذي قاله المبرد على أن الرؤية للفؤاد ، فإن جعلها للبصر فظاهر ، أي ما كذب الفؤاد ما رأى البصر ، والله أعلم . الثالث : أنه إنما رأى ليلة الإسراء جبريل ، ولم ير رب العزة تعالى ، وهو مذهب عائشة ، وعبد الله بن مسعود ، ويروى عن أبي هريرة ، وأبي ذر ، رضي الله عنهم . فظهر مما تقدم ، أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة الإسراء على صورته ، وكان قد رآه قبل ذلك في ابتداء الوحي ، منهبطا من السماء إلى الأرض ، على الصورة التي خلق عليها ، وهو المعنى بقوله : ( علمه شديد